في نونبر من عام 2016، احتضنت مدينة مراكش الدورة الثانية والعشرين لمؤتمر الأطراف حول المناخ. ستٌّ وتسعون ومائة من الوفود الوطنية، وآلافٌ من الدبلوماسيين والإعلاميين وممثلي المنظمات الدولية. وأمام هذا الحضور، فرض الإطعام تحدياً لوجستياً لا سابقة له: من يتولّى ضيافة هذا العالم على مدى أسبوعين كاملين، بالمستوى عينه الذي تطلبه الدول في مناسبات استقبالها الرفيعة؟
كان الجواب أن تولّت دار رحّال هذه المهمّة.
مهمّةٌ فريدة في بابها
إسناد الضيافة في محفل بهذا الوزن ليس مجرّد اختيار عابر. يُقدِّر المنظمون الطاقة اللوجستية، والإلمام بالمتطلبات الصحية الدولية، وحضور الفِرَق على امتداد المناسبة، والقدرة على استيعاب الأحجام الكبرى دون أن تتراجع الجودة قِيد أنملة. وقد استوفت دار رحّال هذه المعايير مجتمعةً، على نحوٍ لم تكن تبلغه آنذاك إلا قلّةٌ من الدور بالمغرب.
كان هذا التفويض، في نظر القائمين على الدار، أقرب إلى “واجبٍ وطني يجب الوفاء به” منه إلى فرصة تجارية. فهو مسؤوليةٌ قبل كل شيء. وقد أعدّت له الدار عُدّتها على مدى أشهر: تشكيلاً للفرق، وتقديراً دقيقاً للأحجام، واستباقاً لتصاميم الفضاءات ولمقتضيات الأمن التي يفرضها حدثٌ بهذه الجسامة.
شملت الخدمة سائر احتياجات المناسبة من فنون الإطعام: مآدب العمل الصباحية، وغداءات الوفود، والعشاءات الرسمية، واستراحات الضيافة، ومآدب الختام. منظومةٌ بالغة الدقّة، انتظمت بتنسيقٍ محكم مع فرق الأمن والاعتمادات الدولية.
فنّ المائدة المغربية رسالةً في لغة الدبلوماسية
في أروقة القمم الدبلوماسية، تكون المائدة في الغالب الفضاء الوحيد الذي يضع فيه المندوبون ملفاتهم جانباً ليتحدثوا بصدق. وما يُقدَّم في تلك اللحظات ليس أمراً عابراً البتّة. كانت الدار تُدرك ذلك إدراكاً عميقاً، فاختارت أن تُقدّم المغرب بكل كرمه وأصالته، وأن تحمل إرث المطبخ المغربي في أرفع تجلّياته، نبلَ مائدةٍ تليق بأعلى المناسبات، وفناً موروثاً جيلاً بعد جيل، من غير أيّ مساومة.
ولمندوبين وفدوا من ستٍّ وتسعين ومائة دولة، كان كثيرٌ منهم يكتشف المائدة المغربية لأول مرّة، فجاء ما قدّمته الدار تعريفاً وبرهاناً في آنٍ واحد: أن فنّ المائدة المغربية قادرٌ على أن يحفظ مكانته في أرفع سياقٍ دبلوماسي في العالم.
اختارت الدار ألّا تُذيب هويّة مطبخها في عموميةٍ باهتة. فكلّ مائدةٍ حملت توقيع الأرض المغربية وخيراتها، من أركان سوس إلى زعفران تاليوين، ومن تمور تافيلالت إلى لوز بني ملال، وفاءً لأصالةٍ راسخة.
ما قالته الصحافة
وثّقت الصحافة المغربية خدمة الدار في كوب22، مُبرزةً حجم المنظومة اللوجستية، والمكانة التي حظي بها فنّ المائدة المغربية في قمّةٍ بهذا الثقل. وكانت الدار قد أبانت عن استيفائها للشهادات التي تشترطها الأمم المتحدة في الأحداث الدولية الكبرى.
ما أعقب ذلك: كوب27، صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، قمّة منظمة التعاون الإسلامي ببنجول
فتح كوب22 أمام الدار مساراً ممتدّاً. فقد جُدِّدت الثقة في دار رحّال لمرافقة الوفد المغربي في كوب27 بمصر (2022)، ثم في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي بمراكش (2023)، فالقمّة الخامسة عشرة لمنظمة التعاون الإسلامي ببنجول في غامبيا (2024).
في هذا المسار دلالةٌ بليغة على ما تمثّله دار رحّال لدى المؤسسات التي تُسند إليها هذه المهام. فلا تُجدَّد الثقة في القائم على الضيافة لأربع قممٍ دولية متتالية ما لم تكن الضيافة على قدر المقام في كل مرّة. والثقة تُكتسب على كل مائدة.
ووراء هذه المهام دارٌ أسّسها رجلٌ آمن بأن الضيافة المغربية تستحق أرفع مما تتيحه المصادفة والارتجال. لقد أرسى الحاج رحال السلامي هذه المعايير، وحملتها الأجيال التي خلَفته إلى محافل العالم.