تراث حِرفة

فنّ المائدة المغربية، حرفة قائمة بذاتها

المائدة المغربية لغةٌ ومراسمُ وضربٌ من الضيافة الراقية، تصون دار رحّال قواعدها العريقة جيلاً بعد جيل.

بقلم هيئة التحرير دار رحّال 3 دقائق قراءة

ثمّة طريقةٌ مغربية في الاستقبال لا تُشبه سواها. تسبق الوليمةَ في العناية المبذولة لانتقاء المفرش، وحُسن اختيار الأواني، وإتقان ترتيب الأطباق. وتمتدّ إلى ما بعد آخر لمسة حلوى، في الشاي بالنعناع يُسكب من علٍ، وفي الحديث الذي يطول لأنّ النفوس تأنس فلا تريد المغادرة.

من هذا الفنّ جعلت دار رحّال حرفتها منذ أجيال.

المائدة بوصفها أولى الإشارات

مفرشٌ مدمشقٌ لا تشوبه ثنية. أوانٍ من خزف آسفي يتناغم لونها مع ألوان القائمة. أطباق النحاس المطروق توضع في القلب بعنايةٍ ودقّة لا كأنّها أُلقيت إلقاءً. فضّياتٌ مصقولةٌ منتظمة. كلّ لمسةٍ من هذه اللمسات رسالةٌ تبلغ الضيف قبل أن يجلس: كنّا في انتظاركم، ولكم عندنا مكانةٌ ومنزلة.

تتعامل دار رحّال مع تهيئة المائدة معاملة المعزوفة المتقنة. فلكلّ عنصرٍ موضعه في التناسق البصري للمائدة: ارتفاع القطع المركزية، والمسافة المحسوبة بين الأدوات، وانسياب الضوء عبر الزجاجيات. هذا التحضير الخفيّ الذي يظلّ بعيداً عن أنظار الضيف هو بالضبط ما يبعث في نفسه الطمأنينة منذ اللحظة الأولى.

في الدار، تهيئة المائدة ليست إجراءً شكلياً، بل هي أوّل ما يبعثه المضيف إلى ضيوفه من رسالةٍ صامتة تقول: أنتم عندنا أهلٌ كرام.

الموروث المغربي في كامل ثرائه

كثيراً ما يُختزل المطبخ المغربي في بضع قطعٍ بعينها، في حين تُتقن دار رحّال سجلّه كاملاً: من الحساء الأصيل المتوارث، إلى السلطات المعمولة بزيت الأركان، إلى أطايب اللحوم المنضجة على نارٍ هادئة وفق التقاليد العريقة.

غير أنّ المطبخ المغربي أرضٌ من التنوّع الجهوي قلّما يبلغ غورها كثيرون. ودار رحّال لا تُسوّي بين الأذواق ولا تُذيب فروقها. فهي تدرك أنّ موائد الشمال لا تقوم على التوازنات ذاتها التي تقوم عليها موائد الجنوب، وأنّ المعجّنات الكبرى في الموروث تتفاوت في نسب اللوز تبعاً لأصلها، وأنّ سلطات الريف المطبوخة تنماز بحموضةٍ خاصة، وأنّ الطهو البطيء في المرتفعات يخضع لإيقاعٍ زمنيٍّ يغاير ما في السهول. هذه الجغرافيا من الأذواق تستحضرها الدار وفق الموسم، وأصل المدعوّين، وطبيعة المناسبة، لتروي المائدة حكايةً صادقة.

الحلويات بوصفها خِتاماً بهياً

تُختم المائدة المغربية بالحلاوة، وتلك الحلاوة علمٌ راسخٌ بذاته. تُبقي دار رحّال وفرعها للحلويات «لا كومتيس» على الوصفات المتوارثة يداً بيد: حلويات اللوز وماء الزهر، والكعك الأصيل باللوز والسمسم، والمعجّنات الهشّة الذائبة، وأصناف الموروث الحلو المغربي بلمساته الراقية.

ثمّ يأتي الشاي. وشاي النعناع المغربي ليس مجرّد مشروب، بل هو مراسم ختامٍ، وإشارةٌ إلى أنّ السهرة تتّسع لمزيدٍ من الأنس. وإيماءة سكبه من علٍ لتهويته وإحداث رغوته إنّما هي إيماءة صبرٍ وأناة؛ فالشاي المغربي لا يُستعجل، بل يُكرَّم ويُدعى. وتُدرّب دار رحّال فرقها على هذه الإيماءة كما تدرّبها على سائرها، لأنّ تفصيل الشاي يفصح عن مكانة الضيف بقدر ما تفصح عنها أولى المقبّلات.

ما تصونه الدار

الاستقبال الرفيع لا يعني الاستقبال الجافي، فدفء الضيافة المغربية لا يتعارض مع الصرامة في الإتقان. وهذا بالضبط ما تحرص دار رحّال على نقله منذ أن أسّسها الحاج رحال السلامي: أنّ الكرم والدقّة لا يتناقضان، بل يتكاملان.

والتوارث هو الكلمة الأدقّ. فدار رحّال تُدرّب فرقها الشابّة على الإيماءات العريقة، لا حنيناً إلى الماضي، بل لأنّ هذه الإيماءات هي حاملات الجودة وضمانتها. فلا سبيل إلى اختصار الوقت الذي تستحقّه عجينة لوزٍ مشغولةٍ كما ينبغي، ولا إلى الاستعاضة عن خبرةٍ تُدرك بها صانعة الحلوى نضج القطر من لون قوامه. مثل هذه المعارف لا تتناقل إلا بالممارسة، جنباً إلى جنب، موسماً بعد موسم.

ورفض التنميط يعني قبول أنّ كلّ مناسبةٍ تستدعي وقتاً للتحضير، ومكوّناتٍ منتقاةً بعناية، وفرقاً تعي مغزى ما تصنع. هذا ما تسعى دار رحّال إلى صونه، من الحاج رحال السلامي إلى أرقى الموائد في العالم.

هيئة التحرير، دار رحّال

مقالات الدار: تأمّلات في فن الاستقبال، وفنون مائدة المناسبات، وما يجري خلف كواليس كبرى حفلات الضيافة، في المغرب وخارج حدوده.